جولان تايمز - خلود حسن
لم يكن التوتر الأمني الذي شهدته بلدة جديدة عرطوز بريف دمشق خلال الأيام الماضية حدثاً معزولاً عن السياق السوري العام، بل بدا للكثيرين وكأنه استعادة مصغرة لمشهد تكرر أكثر من مرة خلال السنوات الأخيرة: حادثة محلية تبدأ بخلاف محدود، ثم تتوسع بفعل الاستنفار الأهلي و"الفزعات"، قبل أن تنتقل إلى منصات التواصل الاجتماعي حيث تتضخم الروايات وتتصاعد خطابات الكراهية، لتصبح الأزمة أكبر من أسبابها الأصلية.
وفق المعطيات التي نشرتها وسائل إعلام محلية ومصادر أمنية وصفحات متابعة ميدانية، بدأت الأزمة إثر اعتداء على منزل لعائلة من أبناء دير الزور تقيم في جديدة عرطوز، أعقبه تجمع لأشخاص من الطرفين وتطور الخلاف إلى مشاجرات تخللها إطلاق نار واستخدام للعصي والأسلحة البيضاء، قبل أن تتدخل قوى الأمن الداخلي وتفرض إجراءات أمنية واسعة وحظر تجوال مؤقت لمنع اتساع دائرة المواجهات.
ومع تجدد التوتر في اليوم التالي، تحدثت مصادر محلية عن أعمال تخريب طالت سيارات وممتلكات خاصة، فيما دفعت السلطات بتعزيزات أمنية إضافية داخل البلدة لضبط الوضع وإعادة الاستقرار.
في المقابل، صدرت بيانات من وجهاء وفعاليات اجتماعية، ولا سيما من أبناء دير الزور المقيمين في المنطقة، دعت إلى التهدئة ورفض تحويل الحادثة إلى نزاع بين مكونات اجتماعية أو مناطقية، والتأكيد على ترك الملف بيد الجهات المختصة.
ما يلفت الانتباه في أحداث جديدة عرطوز ليس فقط طبيعة الخلاف نفسه، بل سرعة انتقاله من مستوى فردي إلى مستوى جماعي.
فخلال ساعات قليلة انتشرت دعوات "الفزعة" والمؤازرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ووصلت مجموعات من خارج البلدة لدعم هذا الطرف أو ذاك، الأمر الذي ساهم في رفع مستوى التوتر الميداني وتعقيد مهمة القوى الأمنية في احتواء الأزمة.
وهنا يبرز سؤال جوهري: هل أصبحت بعض الأوساط الاجتماعية تتعامل مع الخلافات المحلية بمنطق التعبئة الجماعية بدلاً من الاحتكام إلى القانون؟
فكلما توسعت دائرة المؤازرات الشعبية، تراجعت قدرة المؤسسات الرسمية على التدخل السريع والحاسم، وتحولت الأزمة من قضية أمنية أو جنائية محددة إلى حالة استقطاب اجتماعي مفتوح.
ما حدث في جديدة عرطوز أعاد إلى أذهان كثير من السوريين المشاهد التي رافقت أحداث الساحل السوري في آذار 2025، ثم أحداث السويداء في تموز 2025.
ورغم الاختلاف الكبير في الحجم والأسباب والنتائج بين تلك الأحداث وبين ما جرى في جديدة عرطوز، فإن هناك نمطاً مشتركاً ظهر في الحالات الثلاث:
ولا يعني ذلك أن الوقائع متشابهة أو أن الظروف واحدة، لكن آلية التصعيد المجتمعي والإعلامي تبدو متقاربة إلى حد كبير.
تكمن خطورة ما جرى في أن جديدة عرطوز ليست منطقة ذات لون اجتماعي واحد يمكن اختزالها ضمن ثنائية "نحن" و"هم".
فالبلدة تعد من أكثر مناطق ريف دمشق تنوعاً من حيث الأصول الجغرافية لسكانها، إذ يعيش فيها أبناء عائلات قدمت من دير الزور وحوران والساحل السوري ودمشق وريفها ومناطق أخرى، إضافة إلى سكانها الأصليين، وتربط بينهم علاقات مصاهرة وجوار وشراكات اقتصادية تمتد لعقود.
لهذا يرى أبناء المنطقة أن تصوير ما حدث على أنه صدام بين جماعات أو مكونات اجتماعية يتناقض مع واقع البلدة نفسها، حيث يعيش الجميع في أحياء متجاورة وضمن شبكة اجتماعية واحدة.
ربما كان أخطر ما أفرزته الأحداث هو حجم المحتوى التحريضي الذي انتشر على بعض المنصات الرقمية.
ففي كل أزمة تقريباً، تظهر حسابات وصفحات تسعى إلى تعميم المسؤولية الجماعية وتحويل أفعال أفراد إلى اتهامات بحق مجتمعات كاملة. ومع كل منشور تحريضي تتراجع فرص التهدئة، ويتحول الخلاف من مشكلة قابلة للحل إلى أزمة هوية وانتماء.
وقد أظهرت التجارب السورية خلال السنوات الماضية أن آثار خطاب الكراهية تبقى أحياناً أطول من آثار الحوادث الأمنية نفسها، لأنه يضرب الثقة بين الناس ويغذي المخاوف المتبادلة ويعيد إنتاج الانقسامات.
تكشف أحداث جديدة عرطوز مرة أخرى أن التحدي الحقيقي لا يقتصر على إنهاء الاشتباكات أو إعادة الهدوء إلى الشوارع، بل يتعلق أيضاً بترسيخ فكرة أن معالجة النزاعات يجب أن تتم عبر المؤسسات الأمنية والقضائية، لا عبر الفزعات أو الحشود أو حملات التحريض.
فكلما جرى ترك المجال للقانون ليأخذ مجراه، تقلصت فرص الانزلاق نحو صراعات أوسع. أما عندما تتحول الحوادث الفردية إلى معارك مفتوحة تديرها الشائعات والعصبيات، فإن الجميع يصبح خاسراً.
وفي بلد ما زال يحاول التعافي من سنوات طويلة من الحرب والانقسام، تبقى حماية السلم الأهلي مسؤولية جماعية، تبدأ من رفض خطاب الكراهية، وتمر بدعم دور المؤسسات الرسمية، وتنتهي بالحفاظ على حقيقة بسيطة أثبتتها جديدة عرطوز لعقود: أن التنوع ليس سبباً للأزمات، بل أحد أهم عناصر قوة المجتمع السوري.
© Powered By SyrianMonster Web Service Provider - all rights reserved 2026