دمشــق3 حزيران, 2026

حملة 'لست شجرة' الطائفية تثير الجدل: تحريض ممنهج وغياب للمحاسبة يهدد السلم الأهلي

تاريخ النشر:
2026-06-02
2059 مشاهدة

تحمل عبارة “لست شجرة” معنى مألوفا في أدبيات التنمية البشرية، فالإنسان قادر على تغيير المكان الذي لا يلائمه لأنه ليس شجرة ثابتة الجذور.

تبدو العبارة في أصلها دعوة إلى المبادرة الفردية، لكنها اكتسبت في الفضاء الرقمي السوري معنى سياسيا مضادا تماما، وتحولت القدرة على الانتقال من حق شخصي إلى أمر موجه إلى أبناء مكون اجتماعي كامل؛ غادروا المدن التي تعيشون فيها لأن وجودكم فيها أصبح موضع اعتراض.

تكشف هذه الرسالة خللا يتجاوز حدود حملة إلكترونية مجهولة المصدر، فالمشكلة الأساسية لا تكمن فقط في انتشار خطاب طائفي على منصات التواصل، بل في غياب سياسة عامة سورية واضحة وحازمة في مواجهة خطاب الكراهية، وتحدد أن حق السكن والعمل والتنقل والتملك لا يخضع لموازين الأكثرية والأقلية، ولا يمكن إعادة التفاوض عليه عبر الحملات الرقمية أو الضغط الاجتماعي.

حين تفشل الدولة في تثبيت هذه القاعدة بصورة مؤسسية، يتحول المجال العام إلى ساحة مفتوحة لإعادة توزيع الحقوق وفق الانتماء الطائفي.

انطلقت الحملة الإلكترونية في أواخر أيار 2026 عبر حسابات مجهولة الهوية ومتزامنة الظهور على فيسبوك وإكس وإنستغرام وتلغرام وتيك توك، وحملت الحسابات اسما موحدا وهوية بصرية متقاربة، وقدمت نفسها بوصفها حملة “مقاطعة شعبية خالية من العنف”.

تكشف المنشورات معنى أكثر اتساعا عير مقاطعة أبناء الطائفة العلوية في التجارة والنقل والسكن والخدمات والتعليم والسياحة والعلاقات الاجتماعية.

تعمل الاستعارة هنا بوصفها أداة سياسية، فتختصر الحملة قضية شديدة التعقيد في صورة سهلة التكرار؛ جماعة بشرية تشبه جسما غريبا نبت في المكان الخطأ، ويمكن دفعه إلى الاقتلاع من خلال المقاطعة، وتتجاهل الصورة أن المدن السورية ليست ملكيات طائفية، وأن حق السكن والعمل والتنقل لا يتوقف على هوية المواطن أو مسقط رأس عائلته.

من جريمة محددة إلى متهم جماعي

تزامن إطلاق الحملة مع تصاعد النقاش العام حول ملفات المعتقلين والمفقودين، وأعاد هذا المناخ فتح جرح سوري واسع لم يعالج بعد عبر مسار مؤسسي واضح.

اختارت الحملة مسارا يقوم على إعادة تعريف ملف المعتقلين والمفقودين بوصفه امتدادا لهوية جماعية، لا فعلا ارتكبه أشخاص محددون يمكن مساءلتهم وفق الأدلة، وانتقل مركز النقاش من تحديد المسؤولين المباشرين إلى استهداف ملايين المواطنين الذين يشتركون في خلفية مذهبية واحدة.

تحولت العدالة من مسار قانوني يربط العقوبة بالفعل المثبت إلى آلية اجتماعية تربطها بالاسم واللهجة ومكان الولادة والانتماء العائلي.

تقوم هذه العملية على قصة سببية مختصرة؛ افتراض ارتكاب أفراد ينتمون إلى بيئة اجتماعية معينة جرائم وانتهاكات، “لم تثبت بعد”، إذن تتحمل البيئة بأكملها مسؤولية أفعالهم، وتمنح هذه القصة الغضب هدفا قريبا يسهل التعرف إليه في السوق والشارع ووسيلة النقل ومكان العمل.

لكنها تتجاهل حقيقة أن أي مكون اجتماعي يضم أفرادا مختلفين في تجاربهم ومواقفهم ومسارات حياتهم، ولا يمكن اختزاله في صورة واحدة أو معاملته بوصفه كتلة متجانسة.

يؤدي هذا التعميم إلى تحويل الهوية من رابطة اجتماعية إلى معيار للفرز والاستبعاد، وإلى استبدال المسؤولية الفردية بمنطق الاشتباه الجماعي.

المقاطعة ليست سياسة عامة بديلة

تتضمن منشورات الحملة دعوات إلى الامتناع عن شراء السلع من محال يملكها علويون، ومقاطعة سائقي سيارات الأجرة، ورفض البيع والشراء والتأجير في قطاع العقارات، وعدم التعامل مع العاملين في بعض المهن والخدمات.

وتمتد بعض المواد إلى التحذير من الأطباء والممرضين أو التدخل في العلاقات الاجتماعية بين الأطفال والعائلات.

يكشف هذا التوسع فشل السياسات العامة السورية في التعامل مع التحريض الطائفي طوال عام و نصف، حيث ترك خطاب الكراهية يتراكم في المجال العام من دون رصد جدي أو أدوات قانونية واضحة أو تدخل مؤسسي حازم، وعندما ظهرت حملة “لست شجرة”، لم تكن ظاهرة مفاجئة، بل نتيجة متوقعة لفراغ سياسي وقانوني طويل.

تستبدل المقاطعة القائمة على الانتماء الأدلة بالتصنيف الجماعي، ويصبح الاسم الشخصي قرينة، وتتحول المنطقة الجغرافية إلى علامة اشتباه، وتغدو المهنة مساحة للتمييز.

يضرب هذا المنطق الاقتصاد المحلي، ويقوض الثقة في الخدمات الصحية، ويفتح الباب أمام فصل سكاني غير معلن داخل المدن السورية.

الغياب المؤسسي ينتج سياسات بديلة في الشارع

تكشف حملة “لست شجرة” خللا يتجاوز أصحاب الحسابات المجهولة، حيث جاء توسعها نتيجة خطاب طائفي ترك يتراكم في المجال العام من دون ردع حقيقي، وبدا أن الصمت المؤسسي ليس عجزا عابرا، بل جزء من بيئة سياسية تسمح للتحريض بأن يؤدي وظيفته.

عندما تنتقل الدعوات من الشتيمة إلى المقاطعة الاقتصادية والعزل الاجتماعي من دون تدخل حازم، يصبح تجاهلها أقرب إلى توفير غطاء غير مباشر لها.

تتعامل السياسات العامة السورية مع التحريض الطائفي وكأنه تفصيل هامشي، رغم أنه يعيد تشكيل العلاقات اليومية داخل المجتمع، فغياب الموقف الرسمي الواضح، وضعف الإجراءات القانونية، وترك الحسابات المحرضة تعمل علنا، كلها عوامل تمنح خطاب الكراهية مساحة للتحول إلى ممارسة.

تتحمل المؤسسات مسؤولية مباشرة عن هذا المسار، فالدولة التي تترك الدعوات إلى استهداف مواطنين بسبب طائفتهم تنتشر بلا مساءلة لا تقف على الحياد، بل تسمح عمليا بإعادة توزيع الحقوق خارج القانون.

يحتاج التعامل الجدي مع الحملة إلى رصد الحسابات المحرضة، والتحقيق في الجهات التي تديرها، وملاحقة الدعوات التي تستهدف الأفراد في أعمالهم ومساكنهم وخدماتهم، وحماية من تنشر أسماؤهم أو أماكن عملهم، فالفارق بين حرية التعبير والتحريض لا يحتاج إلى تأويل: يبدأ التحريض عندما تتحول الهوية إلى سبب للحرمان من الحقوق.

الأرقام والتصنيفات ليست محايدة

تعتمد حملة “لست شجرة” على تصنيف ثنائي، ضحايا في جهة وجماعة متهمة، وتبدو الخريطة سهلة الفهم، لكنها تنتج سياسة شديدة القسوة.

يصبح المواطن الفرد ممثلا لطائفته مهما كانت سيرته الشخصية، ويطلب منه إثبات براءته من جرائم لم يرتكبها، ويغدو الانتماء الطائفي بديلا عن التحقيق القضائي.

تخفي هذه الثنائية سؤالا أساسيا، فمن يملك حق تعريف الجاني؟

في دولة القانون، ينعقد هذا الاختصاص للقضاء بعد جمع الأدلة وضمان حقوق الضحايا والمتهمين، أما في الحالة السورية فسمحت السياسات العامة للسلطة بانتقال هذا الحق عمليا إلى حملات رقمية وجمهور غاضب يحدد المشتبه بهم وفق الاسم والانتماء، ثم يقرر العقوبة في السوق وعلى باب المنزل وفي سيارة الأجرة.

حين تترك السلطة هذا الفرز ينتشر من دون ردع واضح، فهي لا تكتفي بالتقصير في حماية المواطنين، بل تتيح نشوء منظومة عقاب موازية خارج القانون، والنتيجة مجتمع تحكمه قوائم سوداء متغيرة، وتعاد فيه صياغة الحقوق بوصفها امتيازات قابلة للسحب وفق الهوية.

الاختبار الحقيقي للمرحلة الانتقالية

تمثل حملة “لست شجرة” اختبارا مباشرا للسياسات العامة السورية في مواجهة خطاب الكراهية، فهي كشفت أن المؤسسات لم تطور سياسة وقائية واضحة لرصد التحريض الطائفي والحد من انتشاره، بل تركت المجال العام مفتوحا أمام خطاب يضعف فكرة المواطنة ويحول الانتماء الديني إلى معيار للفرز الاجتماعي والاقتصادي.

يبدأ بناء الدولة من قاعدة بسيطة؛ الحقوق عامة، والمسؤولية فردية، والمواطنة لا تخضع لاستفتاء إلكتروني أو لموازين الغلبة داخل منصات التواصل، وحين تسمح السلطة باستمرار الدعوات إلى حرمان مواطنين من العمل والسكن والخدمات بسبب هويتهم، فإنها لا تواجه خطاب الكراهية، بل تتركه يؤدي دورا سياسيا في إعادة توزيع الحقوق خارج القانون.

تحتاج البلاد إلى سياسة عامة صريحة لا تكتفي ببيانات فضفاضة عن السلم الأهلي، فالمطلوب تشريعات قابلة للتطبيق، ورصد منظم للحسابات المحرضة، ومساءلة من يدعو إلى التمييز، وحماية الأشخاص الذين تستهدف أعمالهم ومساكنهم وسمعتهم.

الصمت المؤسسي أمام التحريض لا يصنع حيادا، بل يمنح الإقصاء مساحة للتوسع والتحول من خطاب رقمي إلى ممارسة يومية.

لست شجرة: حين تتحول العدالة الغائبة إلى سياسة العقاب الجماعي

رصد تفاعلي لملامح حملة التحريض الطائفي الإلكترونية (أواخر أيار / حزيران 2026) وتداعيات غياب السياسات العامة الواضحة في مواجهة خطاب الكراهية.

 

شارك:
كلمات مفتاحية:
المجلة الالكترونية

© Powered By SyrianMonster Web Service Provider - all rights reserved 2026